عبد الكريم الزبيدي
16
عصر السفياني
الناس عامّة ، أدركت قريش أن قوتها وجبروتها وهيمنتها على قبائل العرب ، ومصالحها التجارية والاقتصادية ، وموقعها الديني ، كل ذلك أصبح في خطر ، وأصبح مهددا بالزوال والانتهاء ، فوقفت بكل ما تملك من قوة في وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ودعوته المباركة ، واستعملت جميع الأسلحة للقضاء عليه وعلى دعوته ، ومنها سلاح الاغتيال . وكان أبو سفيان بن حرب بن أميّة ، أحد زعماء قريش قد قاد قريش بحزم للتصدّي بشدة لمحمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ودعوته المباركة ، كما قاد قريش في عدة معارك لقتال رسول اللّه والمسلمين بعد هجرة الرسول إلى المدينة المنورة ، ولكن اللّه تعالى حمى رسوله الكريم ، ونصره على قريش ، ومكّنه من تأسيس أول مجتمع إسلامي في المدينة المنورة . إن أبا سفيان لم يستسلم للأمر الواقع بعد انتصار الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والمسلمين في معركة بدر ، بل شرع يعمل على إعادة الهيبة والقوة لقريش ، فاستطاع أن يجهّز جيشا كبيرا للقضاء على رسول اللّه والإسلام ، ودارت معركة أحد التي انتصر فيها أبو سفيان وجيشه انتصارا مؤقتا ، ولكنهم لم يحققوا إربهم في قتل محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والقضاء على الإسلام ، فعادوا إلى مكة خائبين . فهل اكتفى أبو سفيان بما حصل في معركة أحد ، واستسلم للأمر الواقع ؟ الحق أن أبا سفيان كان يمثل الشر المتجسد في الشيطان في ذلك العصر ، فلم يستسلم للأمر الواقع ، بل أصرّ على العمل للقضاء على الإسلام ونبيّه الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وإعادة هيمنة قريش وجبروتها إلى سابق عهدها ، فأنشأ يخطط لتحقيق هذا الهدف ، فعقد حلفا مع اليهود الذين كانوا يمثلون ديانة سماوية كبيرة في المدينة المنورة ، وكان أحبار اليهود في ذلك العصر بمنزلة الأنبياء لليهود . وكان المسلمون ينظرون إليهم على هذا الأساس ، ولذلك عاهدهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والمسلمون على أن يبقوا على دينهم ، بشرط أن لا يتعرّضوا للمسلمين بسوء ، ولا يحاربوهم ، ولا يدخلوا في حلف مع عدوهم ، ولكن أحبار اليهود كانوا كذبة وخونة ، لأنهم استجابوا لدعوة أبي سفيان ،